ابن قيم الجوزية
95
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
وأما دعاء المسألة فهو أن يقول العبد : اللهم أعطني كذا أو ادفع عني كذا ، فهذا يقع من الناس كلهم برهم وفاجرهم ، واللّه يستجيب فيه لمن يشاء لمن يدعوه بحسب ما تقتضيه حكمته لا تختص الإجابة فيه بأهل الإخلاص والتقوى ، فإن إحسانه تعالى عام يشمل البر والفاجر ، ورحمته وسعت كل شيء ، ولهذا كانت الإجابة لمثل هذا الدعاء لا تدل على حسن حال الداعي الذي أجيبت دعوته إن لم يقترن بذلك ما يدل على صدقه وتعين الحق معه ، وذلك كسؤال الأنبياء ودعائهم لقومهم أو على قومهم ، فيجيبهم اللّه ، فتدل إجابته لهم على صدقهم فيما أخبروا به وكرامتهم على ربهم . وأما الإجابة الخاصة فلها أسباب عديدة ، منها أن يكون الداعي مضطرا قد وقع في كربة وشدة ، فيدعو اللّه فيستجيب له ويفرج كربته ، كما قال تعالى : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [ النمل : 62 ] وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً [ الإسراء : 67 ] . وسبب ذلك شدة افتقاره إلى اللّه وقوة انكساره بين يديه وانقطاع تعلقه بالمخلوقين . ومن أسباب الإجابة أيضا طول السفر والتوسل إلى اللّه بأحب الوسائل إليه من أسمائه وصفاته . وكذلك دعوة المريض والمظلوم والصائم ، وفي الأوقات والأحوال الشريفة ، مثل إدبار الصلوات وأوقات السحر وعند النداء ونزول المطر واشتداد البأس ونحوه لورود الأحاديث بذلك . وهو الجواد فجوده عم الوجو * د جميعه بالفضل والإحسان وهو الجواد فلا يخيب سائلا * ولو أنه من أمة الكفران الشرح : الجواد المتصف بالجود ، وهو كثرة الفضل والإحسان ، وجوده تعالى أيضا نوعان ، جود مطلق عم الكائنات جميعا لم يخل عنه موجود من الموجودات ، فكلها قد عمها فضله وإحسانه .